الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

308

نفحات القرآن

الآية ( وأكّدت على الإخلاص في العمل ) . وجاء في رواية أخرى في سبب نزول هذه الآية أَنّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول اللَّه إنّي أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلّاللَّه‌تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسّرني ذلك وأعجب به ، فسكت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئاً ، فأنزل اللَّه تعالى : « فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » « 1 » . إنّ هذه الروايات الواردة في سبب نزول الآية تدل بوضوح على أنّ الإخلاص التام يعتبر أساس العبادة والعمل الصالح . . . الإخلاص الذي لا يشوبه شيء من الرياء ولا يحتوي على ايّ نوع من أنواع الشرك . والآية الثانية تتحدّث عن القصة المعروفة وهي نذر أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله صيام ثلاثة أيّام واهداؤه طعام الافطار إلى « المسكين » و « اليتيم » و « الأسير » ، وهذه الآية تشير بوضوح إلى هذه الحقيقة وهي أنّ هذا الايثار الذي لا مثيل له ينبع من الإيمان بالمعاد ، قال تعالى : « وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَانُريدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَاشُكُوراً * إِنا نَخَافُ مِنْ رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » « 2 » . أجل إنّ من يخاف اللَّه ويخاف يوم الجزاء ، لا ينفق ممّا فَضَل عن حاجته فحسب ، بل ينفق ممّا هو بأمسّ الحاجة إليه وذلك في سبيل الحبيب الذي لا مثيل له ، هذا بالإضافة إلى أنّه ينفقه بإخلاص تام ، ولا ينفقه من أجل الحصول على مكافأة أو اظهار الشكر على لسان من أحسَن إليهم ، وهذا انّما يدل على أنّ الإيمان بذلك اليوم العظيم هو محفّز قوي لعمل

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 4109 . ( 2 ) « عبوس » بمعنى متقطّب الوجه و « قمطرير » بمعنى صعب وشديد ، وتشبيه يوم القيامة بالإنسان العبوس هو تعبير لطيف يصوّر ما لذلك اليوم من رعب وخوف شديدين ، ثم إنّ كلمة « قمطرير » على رأي البعض مشتقة من مادة « قَمْطَر » وعلى رأي البعض الآخر هي من مادة « قُطر » ( على وزن قُفل ) ، ولكن المشهور هو الرأي الأول . الدهر آية 7 - 9 .